محمد جواد مغنية
202
في ظلال نهج البلاغة
يقولون ما لا يفعلون إلا مع الخوف والرهبة ( ما عزت دعوة من دعاكم ) . لأنكم لا تجيبون داعيا ، ولا تسعفون شاكيا . ( ولا استراح قلب من قاساكم ) . كأنّ الإمام ( ع ) يجيب بهذا سائلا يقول : لما ذا يترك الإمام أمر الجهاد والحرب لهم ولقناعتهم ، ولا يجندهم بالقهر والقوة بدل أن يقف فيهم منذرا وموبخا من غير جدوى تماما كوعاظ المساجد أليست السلطة في يده ، والأمر له وحده . فأجاب عليه السلام بأنه لو قسا عليهم ، وأخذهم بالشدة من أجل الجهاد لشقوا عصا الطاعة ، وكانوا عونا للعدو عليه . . وأشرنا في بعض ما سبق إلى أن طريقة الاسلام في الجهاد ان يحث عليه ، ويبين منافعه وحسناته ، ثم يترك الأمر لقناعة الانسان ، لأنه لو أرغمه عليه لربما أضمر السوء ، وسعى في الفتنة وتفريق الصفوف ، وقد يؤدي به إلى التآمر مع العدو . ( أعاليل بأضاليل ) . يبررون قعودهم عن الجهاد بعلل عليلة واهية ، كلها نفاق وتضليل ( وسألتموني التطويل دفاع ذي الدّين المطول ) . رغبوا إلى الإمام في تأخير الحرب والجهاد ، ولا مبرر إلا التسويف والمماطلة تماما كالمدين الواجد يدافع غريمه ويماطله بلا عذر . . والعدو قد جاس خلال الدار ، وأكثر من القتل والدمار ، والتأخير في حربه يمكنه من بلوغ أهدافه وأهوائه . ( ولا يمنع الضيم الذليل ) بعد أن هانت عليه نفسه ، وآثر الحياة مع الذل والهوان على الموت مع العزة والكرامة ( ولا يدرك الحق إلا بالجد ) تماما كالعلم ، هذا بالسهر والمضي في البحث والتنقيب ، والدرس والسؤال مع الصبر على الفقر والفاقة ، وذاك بالدفاع باللسان والقلم وبالإضراب والمظاهرة ، وبالثورة والتضحية بالنفس والمال والأهل ان اقتضت الحال . ( أي دار بعد داركم تمنعون ) . أتاهم الإمام عن طريق إحساسهم وشعورهم ، لأن وطن الانسان نفسه وكرامته ، ومن استهان بوطنه فقد استهان بنفسه وكرامته ، بل وبدينه وعقيدته ، لأن حب الوطن من الايمان ( ومع أي إمام بعدي تقاتلون ) . . أبدا ولا إمام ، لأنهم لا يريدون القتال من الأساس ، ويؤثرون الراحة والكسل على الجهاد والعمل . ( المغرور واللَّه من غررتموه ) لأنكم كالسراب تقرّبون البعيد ، وتبعدون